البخاري
17
التاريخ الصغير
فها هو الامام الجليل يخرج من نيسابور على هذه الصورة المحزنة ، وبرغم هذا الذي لقيه فهو لا ينسى رسالته ، فيوصي تلاميذه بأن يخلصوا من حديث الشيخ ما قدروا عليه متجاوزين عن هذه العثرة التي كان الأجدر به أن يتجاوزها . ثم عزم الامام على العودة إلى بخارى - مسقط رأسه - وما أن علم أهلها بالخبر حتى سارعوا إلى استقباله بصورة لم يسبق لها مثيل ، وباحتفال يتمناه السلاطين والملوك : نصبت له القباب على فرسخ من البلد ، وخرجت المدينة من بكرة أبيها حتى لم يبق مذكور متخلف عن استقباله ونثر عليه الدراهم والدنانير ، وتصدر للتحديث في مسجده وبيته مدة ، وكان من المتوقع أن تصفو الأيام الأخيرة لأبي عبد الله على هذا النحو ، ولكن شهوة التسلط دفعت الأمير خالد بن أحمد الذهلي والى بخارى إلى أن يبعث إلى الامام أن احمل إلى كتاب الجامع والتاريخ لأسمع منك . أو هو سأله أن يحملهما إلى منزله فيقرأهما على أولاده . وهنا تشتد غضبة الامام وتثور كرامة العالم المعتز بالله ، وبما يحمله من أمانة دينية رفيعة فيقول لرسول الأمير : " قل له إني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ، فإن كانت له حاجة إلى شئ منه فليحضر إلى مسجدي أو داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجالس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم " . ولم يكن الأمير ليحتمل هذا الرفض ، فدس عليه صغار النفوس ليتكلموا عن مذهبه فيجد الأمير حجة أمام الناس في نفيه ، ونفاه . ولما خرج من بخارى ، كتب إليه أهل سمرقند يخطبونه إلى بلدهم